رحلة بين تمثالين, يفصل بينهما عمر وزمن ومسافة, وتجمعهما أرض واحدة. أولهما يقف بعباءته وعمامته متحملاً الحمائم التي تحط على قمة رأسه في صبر, يحمل في يمينه كتاب (المقدمة) الشهير, ويتأمل في استغراب المباني ذات الطراز الفرنسي التي تحاصره, كان هذا هو تمثال العلاّمة ابن خلدون, في بداية الشارع الرئيسي من مدينة تونس العاصمة. أما ثانيهما فقد كان بعيدًا وسط الصحراء, يقف فوق تل صغير يراقب هامات النخيل التي تغطي (توزر) موطن صباه, كان شاعرا, امتلأت روحه بموهبة فيّاضة لم يستطع جسده الضئيل أن يتحملها, فمات في شرخ الصبا عن خمسة وعشرين عامًا فقط, كانت هي كل سنوات عمر الشاعر أبي القاسم الشابي.
كان سفير تونس في الكويت محمد الحصايري قد قال لنا: (سوف تكون رحلتكم إلى صحراء تونس مدهشة, ستعيشون وسط تجربة مختلفة, كأنها المطهر الذي يزيل ما في النفس من شوائب), كانت ذراع السفير مكسورة, ملفوفة بالضمادات ومشدودة إلى عنقه, إلا أنه أصر على الحضور إلى المجلة خصيصا من أجل وضع الترتيبات لبرنامج هذه الرحلة, الأمر الذي سهل لنا ومنحنا جولة واسعة لم نكن نحلم بها.
بدأت رحلتنا إلى الجنوب مع امتداد الساحل, وخلال الرحلة كانت الطبيعة تتبدّل من مكان لآخر. في البداية, كانت الخضرة تكسو الأرض وتعلو لسفوح التلال, وتمتد حقول من الزهر الأصفر إلى مدى البصر, مشاهد تذكرك بالجنوب الأوربي, وكلما سرت جنوبًا تبدأ الخضرة في التراجع, ولا يبقى صامدًا إلا أشجار الزيتون, ثم تفرض الصحراء سطوتها ولا يبقى إلا هضاب الرمال, ثم تنشق الصحراء فجأة عن واحة من النخيل, كأنها سراب متوهج, تبدو تونس وسط الخريطة العربية مثل تويّج زهرة, تغسل هامتها في زرقة المتوسط, وتمد جذورها إلى صفرة الصحراء, يتصارع على شواطئها أميرات صور وبحارة الإغريق وملوك قرطاجة, بينما يموج داخلها بحركة القبائل العربية وهي تواجه شظف الرمال, تمتزج فيها أعراق البربر والعرب, وترتفع رايات بني هلال وهي تحلم بأرض خصبة تكفيها مسغبة الجوع, تونس, هذه البقعة الصغيرة من الأرض, جمعت أحداث التاريخ بعد أن ركزتها وصفتها من الشوائب.
جزيرة الأساطير
بعد رحلة طويلة نصل في الليل إلى الجرف الذي يفصلنا عن جزيرة (جربة), نتأمل أضواءها من بعيد, ونحن ننتظر (البطحة) أو العبّارة التي سوف تحملنا إليها, ماذا بقي من سحرها القديم?
جربة ليست لؤلؤة الساحل التونسي فقط, ولكنها أيضًا جزء من أساطير البحر المتوسط, تحدث عنها اثنان من أعظم الشعراء, هوميروس في الأوديسة, وفرجيل في الإنيادة, وكتب عنها الروائي الشهير جوستاف فلوبير مؤلف (مدام بوفاري) في روايته التاريخية (سلامبو) عندما شهدت ازدهار قرطاج.
في ملحمة الأوديسة, تحل اللعنة على أوليس, كان خدع أهل طروادة واستولى على مدينتهم بواسطة حصان خشبي معبأ بالجنود. وحين حاول العودة إلى وطنه مع مجموعة من بحارته ضل الطريق, ظلت أمواج المتوسط تتقاذفه حتى وصل إلى (جربة), كانت تسكنها قبيلة آكلي اللوتس, ولا يبدو اللوتس هنا كالزهور التي تعوّدنا عليها في الرسوم المصرية القديمة, ولكنها حسب وصف هيرودوت كانت ثمرة لها شكل (التمر) ومذاقه, مازالت الجزيرة تشتهر به حتى الآن.
لم يجرؤ (أوليس) على النزول إلى الجزيرة, ولكنه أرسل إليها اثنين من بحارته, فأحسن أهل الجزيرة استقبالهما, وقدموا لهما الطعام والشراب, وخاصة (اللوتس), وعلى الفور انتابت البحارين حالة من النشوة الغامرة, فنسيا السفينة والوطن وفضلا البقاء على الجزيرة, ولم يكن هناك بد أمام (أوليس) من أن يعيدهما بالقوة, وأن يقيدهما إلى الصواري حتى لا يلقيا بأنفسهما في البحر, ورحلت السفينة وهما يبكيان وينوحان.
في الصباح تأخذنا الجزيرة في جولة طويلة, إلى الفنار القديم, وحومة السوق, قلب الجزيرة, وأماكن صنع الفخار الذي تتميز به, إلى أسواق المدينة والأزقة الضيقة, نتوقف قليلا في سوق السمك لنشاهد المساومات اليومية, ونشاهد صفوف السياح الذين ينتشرون داخل كل الأزقة. تغيرت الجزيرة كثيرا بعد أن أنشئ بها مطار دولي, وبدأ السياح من أوربا يتدفقون عليها باحثين عن الاسترخاء فوق رمال الشواطئ الناعمة. وامتلأ الشاطئ الشمالي منها بالعشرات من الفنادق والمنتجعات الفخمة, ولكن هذا ليس كل شيء, فما زال في (جربة) المدينة نوع من السحر والتفرّد, من النادر أن تجده في مكان آخر. إن شخصيتها هي نتاج ذلك التمازج الثقافي الذي شمل عناصر البربر في شمال إفريقيا, مع بقية أجناس البحر المتوسط, وأعطاها تاريخها المختلف أحيانا عن الأرض الأم, فمزيج النخيل وأشجار الزيتون وبقايا القلاع القديمة والمساجد, وحتى المعابد اليهودية, وبقايا الآثار الرومانية, تبين لنا طبقات الحضارات المختلفة, التي تراكمت على أرضها.
كان الفينيقيون هم أول من استقرّوا على أرضها, وأطلقوا عليها اسم (مينكس), أي الأرض القليلة المياه, ولكنها كانت مرفأ آمنا لسفنهم, وسرعان ما أخذت الجزيرة شهرتها في العالم القديم كمركز للتجارة البحرية. استولى عليها الرومان, وانشأوا (الطريق الروماني) الذي مازال يوصلها بالأرض الأم حتى الآن, وتخصصت الجزيرة في صباغة الثياب باللون الأحمر, وكانت تصدرها لبقية الإمبراطورية. بعد الفتح الإسلامي, احتضنت كل حركات التمرّد, خاصة أتباع المذهب الإباضي, وقاومت كل حركات الإخضاع, وحتى بعد أن جاء العثمانيون, ثم الفرنسيون, بقيت الجزيرة مثل بقعة ساخنة من الأرض لا تهدأ بالرغم من أن البر يحيط بها من كل جانب.
ولكننا لا نستطيع البقاء طويلا في (جربة) فقد كانت مجرد استراحة في طريقنا إلى الجنوب, وكان علينا أن نواصل السير حتى نصل إلى قلب الصحراء.
عالم تحت الأرض
الدهشة هي (مطماطة), عندما تصل إليها لا تواجهك إلا التلال الجرداء التي تشبه تضاريس وجه القمر, لا أثر للحياة, ثم نكتشف أن كل شيء موجود في حفر غائرة تحت الأرض, قرية كاملة تعيش في باطن الصخور الرملية, كل حفرة أو منزل مكون من باحة منزل رئيسية تزينها الرسوم, وتتفرع منها حفر أخرى هي بقية غرف المنزل, نهبط على منحدر ضيق يقودنا إلى باب المنزل, أو بالأحرى الحفرة, تستقبلنا امرأة عجوز بالترحاب, وتعطينا قطعة من الخبز الذي صنعته بيدها. تعود أهالي القرية على فضول الغرباء وأصبح هذا مصدر رزق لهم, معظمهم غادر هذه الحفر ولجأ إلى بيوت الإسمنت في مطماطة الجديدة, ولكن مازال هناك حوالي خمسمائة منهم تحت الأرض, يتحملون غزوات السياح اليومية, ووقوفهم عند حافة الحفر, وهم يصوّرون دقائق حياتهم.
و(مطماطة) قبيلة بربرية قديمة, لم تستطع أن تقاوم جحافل بني هلال, ولم تستطع التأقلم معهم, هاجر أهلها إلى هذه المنطقة الوعرة, وحفروا بيوتهم في باطنها حتى لا يراهم أحد, وحتى يتأقلموا مع المناخ, فباطن هذه الحفر كان دوما رطبا في الصيف, ودافئا في الشتاء, ومن المؤكد أنه كان رحيمًا بهم أكثر من الآخرين. وقد اكتسبت (مطماطة) شهرتها العالمية من خلال فيلم (حرب النجوم), الذي صوّر في بيوتها الغريبة عام 1970, وبدت بيوتها على الشاشة مثل أصداء كوكب خيالي لم يوجد أبدا.
وهي ليست القرية البربرية الوحيدة, فهناك العديد منها, ولكن في أعالي التلال, تحيط بها المنحدرات الصخرية والأخاديد الغائرة, قرى من أمثال زادرة وتمزرت وتاوجوت, تمتد مثل هلال صخري, معظمها أصبح الآن خاليا من السكان, ولكنها دليل على صلابة البربر الذين رفضوا التطويع, وفضلوا الجوع على الخضوع, فهم لم يقبلوا بهيمنة قرطاج, ولا بحكم الرومان, وأخذوا عن العرب الإسلام, ولكنهم لم يحبوا جحافل بني هلال الجائعة, والكثير من قرى البربر الموجودة الآن لا يسكنها سوى النساء والأطفال, أما معظم الرجال, فقد هاجروا بعيدًا بحثًا عن لقمة العيش, وتجلس المرأة في تلك القرى النائية مثل (بنيلوبي) تغزل خيوط الصوف الأحمر والأزرق, تنسج البرانس والأبسطة, وتوشحها بنمنمات ونقوش ساحرة وهي تغني: (بخنوق بنت المحاميد ياعيشة, ريشة بريشة), انتظارا لتلك اللحظة التي يعود فيها الرجال.
بحر الملح
بعد أن نعبر جبال (مطماطة) الوعرة, تنشق الصحراء فجأة عن سراب لامع, بحر وسط الصحراء, مساحة شاسعة من البحيرات تمتد حتى حافة الحدود الجزائرية, طولها حوالي 250 كيلومترًا, وعرضها 20 كيلومترا, (شط الجريد) واحدة من أغرب الظواهر الصحراوية, بقايا البحار التي كانت تغمر هذه المنطقة, قبل أن تنحسر وتسود الرمال, من باطن (شط الجريد) تتفجر المياه في الشتاء, وفي الصيف تكسو وجهه طبقة من الملح, نتوقف بالسيارة قليلاً لنتأمل المياه التي تمتد حتى حافة الأفق, تتخللها جزر من الملح, كانت يد الإنسان قد تدخلت لتصنع أشكالاً من الملح, جمالا ومعيزًا وطيورًا صغيرة, تماثيل ملحية تتألق تحت ضوء الشمس, بجانبها قارب مستعد للإبحار, أليس هذا مدهشًا?! قارب وسط الرمال?!
لم يكن حلم رؤية السفن وهي تبحر في عرض الصحراء غريبًا, فقد فكر فيها مهندس فرنسي هو الكابتن رودير أحد مساعدي وزير الدفاع الفرنسي عام 1876, حين وضع مشروعا من أجل فتح قناة تصل بين خليج قابس وشط الجريد, وكان حفر خيط رفيع من الأرض كافيا ـ على حد تصوره ـ لخلق بحر داخلي كبير, كان المشروع برمته أسطوريا, يعتمد على ما كتبه المؤرخ (هيرودوت), من أن (شط الجريد) هو بحيرة (تريتون) الخرافية التي وُلد فيها (بوسيدون) إله البحار.
وعندما احتلت فرنسا تونس, وجد الكابتن فرصته للقيام بهذا المشروع, وسانده في ذلك المهندس الشهير (فرديناند ديليسبس), الذي حفر قناة السويس, ولكن (شط الجريد) نفسه لم يكن بالعمق الكافي, فقد كان مستواه أعلى بكثير من مستوى مياه البحر, وبالرغم من سخافة المشروع الفرنسي, فقد وجد صداه عند الأمريكيين بعد ذلك بسنوات طويلة, ففي عام 1962, وضعت مؤسسة الطاقة النووية مشروعًا باسم (بلوشر), يهدف إلى تجربة انفجار سلمي وآمن للطاقة النووية, وأكّد مهندس المشروع أنه يمكن أن يكون الإشعاع الصادر عن هذا الانفجار آمنا, ويمكن التحكم فيه, ولسبب غير معروف, لم يجد هذا المشروع مكانًا مناسبًا في كل الولايات المتحدة الأمريكية, إلا في بحيرة (تريتون), وسط صحراء تونس باعتبارها المكان المثالي, فبواسطة هذا الانفجار, يمكن للجنوب كله أن يتحول إلى بحيرة هائلة مفتوحة على العالم, ومتاحة لكل السياح, ولحسن الحظ, وحمدًا لله, فإن المشروع لم ينفذ. ومازال شاطئ الجريد بحرًا داخليًا ومعزولاً وغير ملوث.
بوابة الصحراء
يقودنا شط الجريد إلى بحار أخرى من الرمال الناعمة, إلى (دوز) بوابة الصحراء, حيث يصل ارتفاع التلال الرملية على مداخلها إلى مئات الأمتار, وتحيط بالمدينة الصغيرة أشجار النخيل, التي تتغذى على عيون المياه الخفية. ولا يوجد مكان مثل (دوز) يعطيك الإحساس بسكون الصحراء ولانهائيتها, ويبعث داخلك بذلك التوق الروحي للتوحد وتأمل الحياة والمصير.
وسكان دوز, هم قبيلة المرازيق, أكبر قبائل الصحراء التونسية, وأشدهم بأسًا, وهم يتحدرون من جدهم الأكبر سيدي مرزوق, الذي عاش في القرن السابع عشر, ويبلغ عددهم حوالي 45 ألف نسمة مقسمين إلى أفرع وبطون, وبالرغم من أن مظاهر الحياة الحديثة تسود (دوز), الكهرباء تمتد إلى كل المنازل, والمياه العذبة في المدارس التي تمتلئ بالأطفال الصغار, فإن ملامح البداوة مازالت تطبعها, فبعض بطون المزاريق يمتلكون بجانب الماشية والمعيز قطعة من أرض الصحراء, تقام عليها الخيام, خاصة في وقت إجازات المدارس. والعديد منهم يقومون برحلاتهم البدوية القديمة, يتحركون للجنوب في وقت الربيع عندما تجعل الأمطار الأرض صالحة للرعي, وتقوم النساء بغزل الصوف وصنع الأبسطة, التي تباع في المدن الكبرى, وبعد شهرين, يعاودون الرحيل شمالاً نحو قابس أو جفصة ولا يعودون إلى دوز إلا مع بداية فصل الشتاء ليقوموا بجني ثمار التمر والزيتون.
كانت الصحراء التونسية أيام الاحتلال الفرنسي منطقة مغلقة, معزولة عن بقية البلاد, لا يصل إليها إلا المنفيون والمغضوب عليهم. ولم تكن تضم من السكان إلا مجموعات من القبائل الرحل, ونصف الرحل, وقد حاولت السلطات الفرنسية أن تغري هذه القبائل بالاستقرار, فحفرت لها أول بئر ارتوازية عند (دوز) عام 1119, إلا أنها رفضت الإقامة في أول الأمر, وظلت تواصل تنقلاتها الشاقة داخل الصحراء.
ولا تعني عزلة المنطقة أن أهلها لم يشاركوا في تاريخها, خاصة في فترة الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي, فقد حدثت واقعة شهيرة في شهر مايو عام 1943, عندما قامت مجموعة من قبائل المرازيق, كانوا مجندين في الجيش الفرنسي, بعد هزيمة هذا الجيش ودخول الألمان إلى تونس, انقلب هؤلاء الجنود على ضباطهم الفرنسيين وأوثقوهم, وأخذوا الأسلحة التي كانت موجودة في برج الحراسة, وفرّوا هاربين. وعندما انتهت الحرب وانهزم الألما
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |